محمد الساعدي
17
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح
واسع الفكر ، صبور على المطالعة ، دقيق في الملاحظة ، استطاع أن يُنتج تاريخاً متّصلًا شاملًا للإصلاح والتجديد والتفكير الجديد في الإسلام ، يدلّ على أنّ الإصلاح والكفاح مرافقان لهذه الأُمّة لا يتخلّفان عنها . ويجب على هذا الدارس ألّايقتصر على بعض النقول ، وألّا يقتضب العبارات المنقولة عن كتب هذه الشخصيات العظيمة ، ولا يضُنّ بالألفاظ والكلمات ، وألّا يمرّ بها وبمؤلّفاتها ومنتجاتها مرّاً سريعاً في دراسته التاريخية ، بل يجب أن يعيش في كتبها ومؤلّفاتها وأفكارها مدّة ، ويتذّوق أدبها وفكرتها ، ويتنسّم طِيبها ، ويحاول أن ينتقل من جوّه إلى جوّ هؤلاء الرجال ، ومن عصره إلى عصرهم ، حتّى يعرفهم على حقيقتهم ، ويُصورّهم في حقيقتهم ، ويُشعر القارئ أنّه انتقل إلى عصرهم ، وعرفهم معرفة شخصية ، وعاش معهم مدّة من الزمان . ثمّ الخطيئة الثانية التي يرتكبها يعض المتحمّسين والمؤلّفين في هذا العصر أنّهم يكوّنون في ذهنهم صورة خاصّة للمجدّد أو المصلح ، ثمّ يلتمسونها في تاريخ الإسلام ومجموع صور الأعلام ، فإذا لم يجدوا هذه الصورة الحبيبة في التاريخ الإسلامي أو في عصر من العصور تذمّروا وأنكروا ، وكثير منهم عندهم مقاييس خاصّة ، وهي مقاييس عصرية يقيسون بها « العظيم » أو « الداعي » أو « المصلح » أو « المفكّر » في كلّ زمن وفيكلّ بيئة ، فإذا لم تنطبق هذه المقاييس - والتي هي مقاييس العصر - على رجل مهما كان عظيماً ، ومهما كان قديماً ، ومهما كانت خدمته للإسلام عظيمة ، ومهما كان مخلصاً ، ومهما نجح في مهمّته التي تكفّلها أو أُسندت إليه ، أسقطوه أو بخسوه حقّه ، ولم يعدّوه من المصلحين ! وبعضهم يلتزم مقياساً واحداً كمقياس الإبداع في الأفكار مثلًا ، أو فتح باب الاجتهاد مثلًا ، أو الكفاح لإقامة الحكم الإسلامي ، أو معارضة الدولة القائمة في عصره مثلًا ، فإذا لم يُحقّق هذه الشريطة لم يكن رجل عصره ، ولم يستحقّ أن يدخل في صفّ المصلحين ! إنّ هذه المقاييس والمعايير لها قيمة عظيمة ، وأنا لا أُنكر أهمّيتها ومكانتها في الإصلاح ، ولكن الذي أُريد أن أقول : إنّ الزمان والبيئة عاملان هامّان في حياة الرجال ، فلكلّ عصر مشاكل ومسائل وملابسات وعوائق ، قد تحدّد نطاق العمل ، وقد تفرض منهجاً دون منهج وأُسلوباً دون أُسلوب ، والغاية واحدة . فلا يجوز لنا أن ننقل رجلًا من عصره ، ونُطبّق عليه مقاييس هذا العصر ، ثمّ نحكم عليه بالفشل والإخفاق أو الضعف والعجز ، ونسلبه محاسن نفسه ، ونحرمه من كلّ مأثرة وكلّ